ابن قيم الجوزية

608

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إذ لو وجدته لاستقامت على السير إليه . ولقطعت تعلقاتها وحظوظها من غيره . ولما أرادت بعملها غيره . فلا تستقيم هذه الثلاثة إلا لمن قد ظفر بنفسه ، ووجد مطلوبه . وما لم يجد ربه تعالى فلا استقامة له . ولا سلامة لها من الحظوظ . ولا براءة لها من الرياء . قال « الدرجة الثالثة : الغنى بالحق . وهو على ثلاث مراتب . المرتبة الأولى : شهود ذكره إياك . والثانية : دوام مطالعة أوليته . والثالثة : الفوز بوجوده » . أما « شهود ذكره إياك » فقد تقدم قريبا . وأما « مطالعة أوليته » فهو سبقه للأشياء جميعا . فهو الأول الذي ليس قبله شيء . قال بعضهم . ما رأيت شيئا إلا وقد رأيت اللّه قبله . فإن قلت : وأي غنى يحصل للقلب من مطالعة أولية الرب ، وسبقه لكل شيء ؟ ومعلوم أن هذا حاصل لكل أحد ، من غني أو فقير . فما وجه الغنى الحاصل به ؟ قلت : إذا شهد القلب سبقه للأسباب ، وأنها كانت في حيز العدم . وهو الذي كساها حلّة الوجود . فهي معدومة بالذات . فقيرة إليه بالذات . وهو الموجود بذاته . والغني بذاته لا بغيره . فليس الغنى في الحقيقة إلا به ، كما أنه ليس في الحقيقة إلا له . فالغنى بغيره : عين الفقر . فإنه غنى بمعدوم فقير . وفقير كيف يستغني بفقير مثله ؟ وأما « الفوز بوجوده » فإشارة القوم كلهم إلى هذا المعنى . وهو نهاية سفرهم . وفي الأثر الإلهي « ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء . وإن فتّك فاتك كل شيء . وأنا أحب إليك من كل شيء » . ومن لم يعلم معنى وجوده للّه عزّ وجلّ والفوز به : فليحث على رأسه الرماد . وليبك على نفسه . واللّه أعلم . منزلة المراد ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « المراد » . أفردها القوم بالذكر . وفي الحقيقة : فكل مريد مراد . بل لم يصر مريدا إلا بعد أن كان مرادا . لكن القوم خصوا « المريد » بالمبتدىء ، و « المراد » بالمنتهى . قال أبو علي الدقاق : المريد متحمل ، والمراد محمول . وقد كان موسى صلى اللّه عليه وسلم مريدا ، إذ قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) [ طه : 25 ] ونبينا صلى اللّه عليه وسلم كان مرادا ، إذ قيل له أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) [ الشّرح : 1 ] . وسئل الجنيد عن المريد والمراد ؟ فقال : المريد يتولى سياسته العلم . والمراد : يتولى رعايته الحق . لأن المريد يسير ، والمراد يطير . فمتى يلحق السائر الطائر ؟ قال صاحب المنازل . « باب المراد . قال اللّه تعالى : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ القصص : 86 ] أكثر المتكلمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد اثنين ، وجعلوا مقام « المراد »